صفقات الرهن الكبرى: وثائق مسربة تكشف بيع الساحل السوري لأنقرة بعقود نصف قرن وديون مليارية

تحوّلت مناطق شمال اللاذقية ومرتفعاتها الاستراتيجية إلى ساحة لأخطر عمليات المقايضة السيادية في تاريخ سوريا الحديث، حيث كشفت وثائق ومسودات اتفاقيات دولية مسربة عن ملامح صفقة مبرمة بين الحكومة التركية وسلطة الأمر الواقع التي تفرض سيطرتها في دمشق والمناطق المحررة بقيادة أبو محمد الجولاني.
وتظهر الوثائق المرفقة بخرائط ومخططات تفصيلية، مساعي حثيثة لرهن قطاعي الاتصالات والطاقة في الساحل السوري لشركات عملاقة تابعة لأنقرة، ضمن خطة تمتد لـ 49 عاماً، وبتمويل خارجي يغرق مستقبل البلاد بديون سيادية تصل إلى 7 مليارات دولار، مما يمثل اقتطاعاً جغرافياً واقتصادياً مقنعاً، وتنازلاً كاملاً عن مقدرات الدولة لصالح نفوذ إقليمي يبحث عن التمدد الدائم.
الهيمنة الرقمية: “تورك تليكوم” تبتلع اتصالات الشمال
تتضمن الوثيقة الأولى المتعلقة بقطاع الاتصالات (الملفات 1000150772 و1000150771 والخريطة 1000150773) صياغة اتفاقية تطبيقية لنقل الصلاحيات الكاملة في إنشاء وتطوير وتشغيل خدمات الاتصالات في منطقة شمال اللاذقية إلى شركة “تورك تليكوم” (Türk Telekom). وبموجب المادة الأولى من المسودة، يشمل هذا التنازل شبكات الهاتف المحمول بكافة أجيالها (2G/3G/4G/5G)، والإنترنت الثابت، والبنية التحتية للألياف الضوئية، فضلاً عن مراكز البيانات.
وتكشف المادة 6 عن تشكيل هيكل إداري مشترك تحت اسم (NLTOA) تملك فيه أنقرة ثقل القرار عبر اشتراط أغلبية الثلثين لتمرير أي بند، بينما تمنح المادة 7 ملكية التشغيل الكاملة للمستثمرين الأتراك طوال فترة العقد. وتظهر الخطورة الأمنية البالغة في المادة 9، التي تمنح إدارة الأمن السيبراني والبيانات الحساسة لسلطة وقضاء مشترك، مما يضع البيانات الوطنية وتحركات السكان والفصائل تحت المجهر الاستخباراتي التركي بشكل مباشر، ومجرد من أي خصوصية سورية.
وتبين الخريطة الملحقة بالوثيقة (ملحق رقم 1) مسحاً هندسياً دقيقاً يمتد من منطقة “كسب” شمالاً حتى مشارف مدينة اللاذقية، مع تحديد مواقع أبراج الاتصالات التركية المقترحة في نقاط حاكمة استراتيجياً مثل: رأس البسيط، أم الطيور، وادي قنديل، برج إسلام، مشقيتا، الحفة، وصلنفة، وصولاً إلى الخطوط المحاذية لطريقي M4 و M1.
رهن الطاقة: 49 عاماً من التبعية واحتكار الكونسورسيوم التركي
أما في قطاع الطاقة، فتظهر مسودات الملفات (1000150767 وما يتبعها) اتفاقاً لربط كهربائي عابر للحدود يربط ولاية هاتاي التركية بمنطقة شمال اللاذقية، مغطياً مساحة جغرافية محددة بدقة تبلغ 1,483.41 كيلومتر مربع. وتكشف المادة 3.2 عن خطة هندسية خبيثة لعزل الساحل وتطويقه، عبر استثناء مركز مدينة اللاذقية، والميناء، وطريق M1 السريع، مما يعني حصر العمق الحيوي السوري في شريط ضيق والسيطرة الكاملة على المرتفعات الاستراتيجية المحيطة به.
وتسند المادة 4 الإشراف الكامل على شبكات النقل الرئيسية والفرعية بجهود ضخمة (400 و 154 و 230 كيلو فولت) للشركة التركية لنقل الكهرباء (TEİAŞ)، في حين تحدد المادة 9 مدة الامتياز المستقل بـ 49 عاماً قابلة للتمديد من طرف واحد (الجانب التركي)، مع إعفاء جمركي وضريبي شامل لشركات تحالف “الكونسورسيوم” التركي المنفذ، والذي يضم كبرى المجموعات المقربة من أنقرة مثل:
*(Kalyon Enerji, Limak Enerji, Cengiz Enerji, Çalık Enerji, GAMA Holding, Yapı Merkezi, Aksa Enerji).*
فخ الديون السيادية: إغراق الأجيال برعاية استثمارية
أخطر ما حملته وثيقة الطاقة يكمن في المادة 6 والمادة 7 المتعلقين بنموذج التمويل والالتزامات المالية؛ حيث رُصد للمشروع تمويل بحد أدنى 2.5 مليار دولار وبحد أقصى 7 مليارات دولار (أو ما يعادلها بالليرة التركية) بتنسيق تركي وضخ مالي عبر جهاز قطر للاستثمار (QIA) وبنك قطر للتنمية (QDB).
وتنص المسودة صراحة على أن هذا التمويل يمثل “قرضاً بمشروع مدعوم سيادياً”، وتتحمل فيه سوريا بصفتها المقترض الوفاء بجميع الالتزامات المالية. هذا البند يمثل قنبلة موقوتة تُغرق الدولة السورية مستقبلاً بديون فلكية لم تُقرها أي سلطة تشريعية شرعية، مما يمهد قانونياً لرهن الأصول ومصادرة الأملاك السيادية السورية في حال العجز عن السداد.
الانتهاك الدستوري: صفقات باطلة في ميزان القانون
تجمع القراءات القانونية والتحليلية على أن هذه المسودات -في حال توقيعها من قِبل سلطة الأمر الواقع في الشمال- تعد باطلة بطلاناً مطلقاً ومعدومة الأثر القانوني لعدة أسباب:
خرق وحدة الأراضي: تتنافى الاتفاقية مع المادة الأولى من الدستور السوري التي تؤكد على وحدة أراضي الدولة وعدم جواز التنازل عن أي جزء منها، حيث يمثل اقتطاع مساحة محددة وإدارتها أجنبياً لـ 50 عاماً تكريساً علنياً للتقسيم وتحويل المنطقة إلى محمية تركية.
انعدام الأهلية القانونية والخيانة العظمى : لا يعترف القانون السوري (وفق المادة 75 من الدستور) بأي اتفاقية دولية ما لم تبرم عبر رئيس الجمهورية ويصادق عليها مجلس الشعب. وتوقيع فصيل عسكري أو حكومة محلية غير معترف بها (كحكومة الإنقاذ أو المؤقتة) يقع تحت طائلة مواد القانون الجنائي التي تصنف الفعل كـ “خيانة عظمى” وتعاملاً مع دولة أجنبية لاقتطاع جزء من الأراضي السورية (المواد 263 و264 من قانون العقوبات).
انتهاك قوانين الامتيازات والاتصالات: تخالف هذه العقود القوانين الناظمة للمرافق العامة التي تمنع منح امتيازات طويلة الأجل لشركات أجنبية دون رقابة مجلس الدولة، كما تنتهك قانون الاتصالات السوري الذي يوجب خضوع بيانات المواطنين للهيئة الوطنية المحلية وبواباتها الدولية، وليس لشركات أجنبية وقضاء مشترك.
التواطؤ الميداني: كيف مررت سلطة الجولاني المخطط؟
تُسقط المعطيات الميدانية كل أدوات التمويه التي حاولت الوثائق استخدامها؛ حيث صِيغت المسودات باللغة التركية مستخدمة مسمى “حكومة الجمهورية العربية السورية” في محاولة لمنح العقود صبغة شرعية دولية مستقبلاً. لكن الواقع على الأرض يؤكد أن الطرف الفعلي الذي يدير ريف اللاذقية الشمالي (محيط كسب، جبل التركمان، وجبل الأكراد) عسكرياً ومدنياً هو هيئة تحرير الشام وفصائلها عبر “حكومة الإنقاذ”.
إن تحديد المساحة الجغرافية بدقة (1,483 كم²) ومسح مواقع أبراج الاتصالات في عمق المرتفعات الساحلية لا يمكن أن يتم دون تنسيق أمني، وعسكري، واستخباراتي مباشر وعلى أعلى المستويات مع قيادة الجولاني. ويعكس هذا التواطؤ انتقال سلطة الأمر الواقع من مرحلة “الاحتفاظ بالسيطرة عبر عقود تجارية محلية” (مثل احتكار قطاع الكهرباء عبر شركة Green Energy والإنترنت في إدلب) إلى مرحلة “الرهن السيادي طويل الأجل” وبيع مقدرات البلاد الاستراتيجية للقوى الإقليمية، مقابل صكوك اعتراف وبقاء سياسي، وهو ما يعري تماماً الشعارات الوطنية وشعارات التحرير التي تسوقها الهيئة أمام السوريين.



